ابن قيم الجوزية ( اختصار محمد بن الموصلي )

116

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق )

فعرفوه به وعبدوه به وسألوه به ، فأحبوه وخافوه ورجوه ، وتوكلوا عليه وأنابوا إليه ؛ واطمأنوا بذكره وأنسوا بحبه بواسطة هذا التعريف . فلم يصعب عليهم بعد ذلك معنى استوائه على عرشه ؛ وسائر ما وصف به نفسه من صفات كماله . إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظير لذلك ولا مثيل له ولم يخطر بقلوبهم مماثلة شيء من المخلوقين وقد أعلمهم اللّه سبحانه علي لسان رسوله « أنه يقبض سماواته بيده والأرض باليد الأخرى ثم يهزهن » « 1 » « وأن السماوات السبع والأرضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدكم » « 2 » « وأنه يضع السماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والشجر على إصبع ، وسائر المخلوقات على إصبع » « 3 » فأي يد للخلق وأي إصبع تشبه هذه اليد وهذه الإصبع حتى يكون إثباتها تشبيها وتمثيلا ؟ فقاتل اللّه أصحاب التحريف والتبديل ، ما ذا حرموه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية ، وما ذا تعرضوا به من زبالة الأذهان ؛ ونخالة الأفكار ؟ وما أشبههم بمن كان غذاؤهم المن والسلوى بلا تعب فآثروا عليه الفوم والعدس والبصل . وقد جرت عادة اللّه سبحانه أن يذل من آثر الأدنى على الأعلى ، ويجعله عبرة للعقلاء . فأول هذا الصنف إبليس لعنه اللّه ، ترك السجود لآدم كبرا فابتلاه اللّه تعالى بالقيادة لفساق ذريته « 4 » ، وعباد الأصنام لم يقروا بنبي من البشر ورضوا بآلهة

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4812 ، 6519 ، 7382 ، 7413 ) ، ومسلم في ( المنافقين / 19 ) . ( 2 ) ( ضعيف الإسناد ) رواه ابن جرير في « التفسير عن ابن عباس موقوفا بسند ضعيف . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 4811 ، 7414 - 7415 ، 7451 ، 7513 ) ، ومسلم في ( المنافقين / 2786 ) . ( 4 ) كما قال الشاعر : عجبت من إبليس في تمرده * وقبح ما أظهر من نخوت تاه على آدم في سجدة * وصار قوادا لذريته